عبد الوهاب الشعراني

208

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

التوبة على يد جدي من تلك الليلة ثم جعل له خصا في الجزيرة التي هي الآن متعلقة بالفقراء تجاه فم بحر الفيض وصار يتعبد فيها البحر محيط به يزوره الناس في المراكب إلى أن مات . وكان يقول : كل هذا ببركة الشيخ علي بن شهاب فإنه أنقذني من الضلالة . وظهرت للشيخ عبد الرحمن رضي اللّه عنه كرامات عظيمة : منها أنهم قطعوا مرة حطبا بغير إذنه من جزيرته وسافروا به فانقلبت المركب بالقرب من بولاق وغرق من فيها ولم تزل منحدرة إلى أن أرست على جزيرته فقال هذه بضاعتنا ردت إلينا ، فقال صاحب المركب يا سيدي تغرق المركب كلها في حزمتين حطب ، فقال هذا من سيدي أحمد البدوي رضي اللّه عنه ما هو مني ، وكان جدي رضي اللّه عنه إذا خرج من بيته للصلاة لا يستطيع تارك الصلاة يفارقه حتى يصلي هيبة منه رضي اللّه عنه وكان إذا رأى جماعة الفلاحين في مجلس لغوهم يقول : يا أولادي العمر يضيق عن مثل ذلك عن قريب تندمون . وكان رضي اللّه عنه ينتهي نسبه إلى سلطان تلمسان أبي عبد اللّه في الجد الرابع وبعده إلى السيد محمد بن الحنفية رضي اللّه عنه ، وكان لا يظهر ذلك ويقول : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن التفاخر بالنسب ولا يقدس الإنسان حقيقة إلا عمله ولو كان من أولاد أكابر الصحابة . وكان يقول : انظروا إلى الموالي الذين صحبوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كسلمان وبلال كيف صار شأنهم بطاعة اللّه ورسوله ، وأخبرني سيدي كمال الدين زوفا من أولاد عمنا بنواحي البهنسا أن جدنا الخامس سيدي موسى المكنى بأبي عمران رضي اللّه عنه قال له سيدي أبو مدين رضي اللّه عنه لمن تنتسب قال إلى مولاي أبي عبد اللّه سلطان تلمسان قال له فقر وشرف لا يجتمعان فقال يا سيدي تركت الشرف فقال الآن نربيك . قلت : وتبعه على ذلك أعمامي ووالدي فلما خفت موت نسبتنا بالكلية ذكرتها في مؤلفاتي وأخبرني الشيخ كمال الدين المتقدم أن نسبتنا القديمة وجدوا عليها خطوط أولياء المغرب وعلمائها وقضاتها فوقع بين أولاد عمنا وبين الخليفة سيدي يعقوب العباسي فأرشى عليها من أخذها وغيبها وقال ليس لنا أولاد عم أبدا خوف انقراض بيتهم أو ضعفه فيعطي أولاد عمنا الخلافة ولعمري الشرفاء أحق بذلك وهم كثير في أرض مصر فاللّه يكثر منهم ويعرفنا بمقدارهم والقيام بخدمتهم آمين ، مات جدي رضي اللّه عنه سنة إحدى وتسعين وثمانمائة وله من العمر سبع وخمسون سنة رضي اللّه عنه . وليكن ذلك آخر من ذكرناه من أهل القرن التاسع وتركنا جماعات كثيرة من أهل القرافتين وغير هما استغناء بكتب الزوار الموضوعة لذلك ؛ فإن كتابنا هذا إنما